الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

458

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بأزمان المغيّا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها . ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها ، أي قبور المقابر . وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولا غير مستمر ، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضا بهم بأن حلولهم في القبور يعقبه خروج منها . والتعبير بالفعل الماضي في زُرْتُمُ لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر به الدالّ عليه التكاثر ، أي بكل شيء حتى بالقبور تعدونها . وهذا يجري على ما روى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم في سبب نزولها آنفا ، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، أي زرتم المقابر لتعدّوا القبور ، والعرب يكنّون بالقبر عن صاحبه قال النابغة : لئن كان للقبرين قبر بجلّق * وقبر بصيداء الذي عند حارب وقال عصام بن عبيد الزّمّاني ، أو همّام الرّقاشي : لو عدّ قبر وقبر كنت أقربهم * قبرا وأبعدهم من منزل الذّام أي كنت أقربهم منك قبرا ، أي صاحب قبر . و الْمَقابِرَ : جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها . والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة . والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت ، وبحرف الزجر والإبطال بقوله : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ فأفاد كَلَّا زجرا وإبطالا لإنهاء التكاثر . و سَوْفَ لتحقيق حصول العلم . وحذف مفعول تَعْلَمُونَ لظهور أن المراد : تعلمون سوء مغبّة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام . وأكد الزجر والوعيد بقوله : ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ فعطف عطفا لفظيّا بحرف التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله ، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ثُمَّ اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله .